إنّه الأسلوب الشّامل نحو تأهيلٍ يتيحُ للنّاس مشاركتهم الفاعلة في تكوين الثّروة، ودعمهم في توزيعها العادل.[i]
إنَّ الثّروة الحقيقيّة لا تتحقّق في إنجاز العمل كسباً للرّزق فحسب، بل في اعتبارها خدمة للمجتمع الإنسانيّ أيضاً. لذا يدخل في اعتقادنا أنّ العمل المُثمر هو حاجة أساسيّة للرّوح الإنسانـيّ، بقدر ما هو ضروريّ وهامّ لتطوّر الفرد في شؤون حياته كضرورة الطّعام والماء النّظيف والهواء العليل لجسمه العنصريّ.
إنّ اقتصار التّركيز في خططنا على إعادة توزيع الثّروة المادّية سيكون مصيره الفشل على المدى البعيد، ذلك لأن الجانب الرّوحيّ في الإنسان يأبى عليه التّواكل. وعليه، فإنّه من الواجب ضمان توزيع الثّروة بأسلوبٍ عادلٍ، وربطها بعمليّة إيجادها وابتكار أساليب تحقيقها.
وفي سبيلِ الوصول إلى مستوىً أفضل من التّطوير، نقترح على منظومة الأمم المتّحدة التّوصيات التّالية:
1- إطلاقُ حملةٍ جادّةٍ لتطبيق برنامج 21
تضمّنت خطّة العمل التي أعدّت في مؤتمر الأمم المتّحدة للتّنمية والبيئة مجموعةً واسعةً من الآراء التي قدَّمتها الهيئات المدنيّة إلى جانب ما ورد في هذه الوثيقة من مبادئ مماثلة، إلا أنّ ما أنجزته الدّول الأعضاء من هذه الخطة كان نذراً يسيراً لسوء الحظّ.
وإذا كان لأهداف برنامج 21 أن تتحقّق، فمن الواجب بذل مجهودٍ موسَّعٍ على غرار مشروع مارشال في إعادة تطوير أوروبا ما بعد الحرب العالمية، ولو أنّه مختلفٌ في طبيعته. وفي هذه الحالة يمكن لمؤسّسات بريتون وُودز (Bretton Woods) الإعلان عن حملة من شأنها الإسراع في مجهودات التّنفيذ الوطنيّة. وتكليف كهذا لا يمكن أن يصدر إلا عن مؤتمرٍ مماثلٍ لمؤتمر بريتون وُودز الأوّل الذي عقد قبل خمسين عاماً، وتخصيصه لإعادة النَّظر في هذه المؤسَّسات بشكلٍ شاملٍ بهدف توفير موارد كافية لشعوب العالم، لتتمكّن من تنفيذ المبادرات المحليّة. كما يُمكن للمؤتمر أن يوسّع برنامجه ليشمل موضوعاتٍ أعمق تتعلَّق بالأمـن الاقتصاديّ العالميّ من خلال تحديث المؤسّسات الدّوليّة القائمة، أو إنشاء هياكل جديدة.[ii]
وإذا كُتب لها النَّجاح، فإنَّ هذه الأداة الجديدة يمكن أن تمتدَّ وتتَّسع، فتعمل على التَّنسيق في تطبيق الإجراءات التي تبنّاها مؤتمر القمّة الاجتماعيّ الأخير.
ب- حمايةُ حقوقِ الإنسانِ الأساسيّة
منذُ أن تأسّست هيئة الأمم المتّحدة، خلال العقود الخمسة الماضية، ساد الاعتقاد بضرورة الاعتراف بحقوق الإنسان إذا ما أردنا للسّلام والتّقدم الاجتماعيّ والنموّ الاقتصاديّ أن يأخذ طريقه قٌدُما، وأنّه من الضَّروريّ حماية تلك الحقوق دوليّاً.
إنّ الأساس لاتفاقيّة دوليّة حول طبيعة حقوق الإنسان يرتكز على الوثيقة الهامّة في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الذي تبنَّته الأمم المتّحدة عام 1948؛ وجاء تفصيله بإسهابٍ في الميثاقيْن الدَّوليَّين: “الميثاق الدّوليّ للحقوق المدنيّة والسياسيَّة” و” الميثاق الدّوليّ للحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديَّة والثّقافيَّة”، بالإضافة إلى خمسةٍ وسبعين ميثاقاً وإعلاناً يحدِّد ويعزِّز حقوق النِّساء والأطفال، وحريَّة العبادة، وحقّ التّطوُّر والتّقدُّم، وغيرها من الحقوق.
وللنِّظام الحاليّ للأمم المتّحدة حول حقوق الإنسان نقطتا ضعف رئيستان وهما: الوسائل المحدَّدة للتّنفيذ والمتابعة، وقلَّة التّركيز على الواجبات التي تترتَّب على كافّة الحقوق.
إنّ وضع حقوق الإنسان موضع التّطبيق، على المستوى الدّوليّ، يجب أن يُعالَج بطريقة تشابه أسلوب معالجة أيّ عدوان عسكريّ تحت ظلّ نظام الأمن المشترك. فأيُّ خرقٍ لحقوق الإنسان في دولة ما يجب أن يستدعيَ اهتمام باقي الدّول، فتستجيب آليّات التّنفيذ استجابـة موحّدة من قبل المجتمع الدّوليّ بأسره. أمّا متى وكيف يمكن التّدخل لحماية حقوق الإنسان، فإنه أمرٌ صعبٌ، والإجابة عنه أصعب. فالتّنفيذ الحازم يتطلّب درجةً عاليةً من الإجماع الدَّوليّ حول الأمور التي تشكّل خرقاً فاضحاً مقصوداً.
لقد اتُّخذت خطواتٌ هامّةٌ نحو إجماعٍ دوليٍّ خلال المجهودات التي أسفـرت عن عقد مؤتمر حقوق الإنسان عام 1993. وقد أكَّد هذا المؤتمر بشكل قاطع على أن حقوق الإنسان هي حقوق عالمية ووحدة واحدة لا تتجزَّأ. فأنهى بذلك نقاشاً في مفهومٍ ساد طويلاً
بأن الحقوق المدنيَّة والسياسيَّة ذات أهميّة قليلة نسبيّاً إذا ما قورنت بالحقوق الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة.[iii] كما أكّدت قرارات المؤتمر على وجوب تطبيق مبادئ حقوق الإنسان بغضِّ النَّظر عن العِرق والجنس والمعتقد الدِّينيّ أو القوميّة. ويدخل في مضمونها مساواةُ الرَّجل والمرأة، وتساوي حقوق الأفراد في جميع أنحاء العالم فيما يتعلَّق بحرِّية البحث والتّقصّي، والحصول على المعلومات، وممارسة الشَّعائر الدّينيّة، وحقّ الفرد في الحصول على حاجاته الأساسيّة مثل الغذاء والمأوى والرّعاية الصحيّة.[iv] وبالإضافة إلى ضرورة توفير الإجماع الدَّوليّ، وضرورة دعم تطبيق مبادئ حقوق الإنسان، فمن الأهميّة بمكان إيجاد وعيٍ أكبر بأن كلّ حقّ فيها يحمل في طيّاته واجباً ومسؤوليّة.
وعلى سبيل المثال، فإنّ حقَّك في اعتبارك شخصاً اعتباريّاً أمام القانون يلزمك بإطاعته، مما يجعل القانون والنّظام القضائيّ أكثر عدالة. وبالمثل، فإنّه على الصّعيد الاقتصاديّ والاجتماعيّ، يقضي الحقّ في الزّواج مسؤوليّة إعالة العائلة وتربية الأطفال ومعاملة جميع أفراد العائلة باحترام.[v] إنّ الحقّ في العمل لا يمكن فصله عن مسؤوليّة الفرد في إنجازه بأفضل ما يمكن. وفي المفهوم الأوسع، فإنّ حقوق الإنسان “العالميّة” تدلُّ ضمناً على مسؤوليّةٍ تجاه الجنس البشري بأكمله.
الحماية، ولذلك يجب أن تطلق حرّيّة الإنسان في حصوله على المعرفة. إلا أنّ هذه الحرّيّة غالباً ما أسيء استعمالها بدوافع غذّتها رموز اجتماعية لم تعمل على التّخفيف من غلوائها ولو إلى درجة بسيطة.
إنّ نبض الوجدان الإنسانيّ المميّز هو الذي يوفر الخلفيّة التي يرتكز عليها إعلان الكثير من الحقوق التي جاءت في الإعلان العالميّ وما تبعه من مواثيق. فالثّقافة والتّعليم وحرّيّة التّنقّل، والحصول على المعلومات، وفرص المشاركة في الحياة السّياسيّة؛ كلّها أمور تحتاج ممارستها إلى ضمان المجتمع الدّولي بمثل ما تحتاجها حرّيّة الفكر والعقيدة، وفي مضمونها حرّيّة الدّين وتبنّي الأفكار والتّعبير عنها كلّها بالشّكل اللاّئق.
إنّ جسم البشرية كيان موحَّد لا يتجزّأ، وكلّ فرد فيه خُلق ومعه ضمان رعاية هذا الكيان له. وفيه تكمن الأسس الأخلاقيّة لمعظم الحقوق الممنوحة، وأهمّها الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وهذا ما تسعى إليه أجهزة الأمم المتّحدة في تحديده وتوضيحه ومنها: أمن الأسرة ، وتوفير السّكن المناسب، وحرّيّة التّملك، وحقّ الفرد في خصوصيّاته. وتمتدّ مسؤوليّة المجتمع لتشمل: فرص العمل، والرّعاية الصّحيّة والنّفسيّة، والضّمان الاجتماعيّ، والأجور العادلة، والرّاحة والتّرويح عن النّفس، وما يطمح إليه أفراد المجتمع من متطلّبات معقولة.
إنّ مبدأ الضّمان الجماعيّ يوفّر لكلّ فرد الحقّ في تلبية احتياجاته الثّقافيّة التي تشبع انتماءه وهويّته، ويضمن له وضع التّشريعات المحلّيّة والدّوليّة لحماية ذلك؛ وهو ما يشبه تماماً دور الجينات في حياة الإنسان وبيئته. فالثّروة الضّخمة من التّراث الثّقافيّ المتنوّع التي تجمّعت عبر آلاف السّنين لهي أمر حيويّ للتّطوير الاجتماعيّ والاقتصاديّ للجنس البشريّ في مسيرته نحو البلوغ. إنّه إرث من حقّه علينا أن نجني ثماره ضمن سياج الحضارة العالميّة. فمن جهة، علينا أن نحمي ثقافتنا من الاندثار بفعل تأثيرات المادّيّة الجامحة، ومن جهة أخرى يتوجّب علينا تأمين الفرص أمامها للتّفاعل والامتزاج في أنماط من الحضارة غير محدودة ومتحرّرة من تأثير التّيارات السّياسيّة وقواها في المناورات.”
([v]) يجب أن يبدأ أساساً احترام حقوق الإنسان من العائلة: “قارن أمم العالم بأفراد العائلة. فالعائلة أمّة صغيرة فإذا ما كبرت دائرتها تصبح أمّة. والظّروف المحيطة بالعائلة نفسها التـي تحيط بالأمّة، والأحداث في حياة العائلة هي نفسها في حياة الأمة. فهل بإمكان العائلة أن تتطوّر وتتقدّم إذا برزت الخلافات بين أفرادها وفتك بهم الشّقاق والحسد والسّلب والانتقام والأنانية؟ بالطبع لا، إذ من شأنه أن يطمس آثار التّقدم والتّطور، وكذا الأمر في عائلة الجنس البشريّ؛ ذلك أنّ الأمم ما هي إلا مجموعات من العائلات المختلفة، وعليه، فإنّ النّزاع والشّقاق، كما أنّه يحطّم العائلة ويحول دون تقدّمها، فإنّه يحطّم الأمم ويمنع تقدّمها.”