الإبداع والإلهام

كلنا نعرف تلك اللحظات التي ننجز فيها أعمالًا بطريقة الروبوت، وكأن لنا عقلين: واحدًا يفكّر بالمهمة، والآخر يفكّر بغيرها. تؤدي حركات الصلاة، بما فيها قراءة القرآن عن ظهر قلب، وعقلك مستغرق في التفكير بأمر آخر لا علاقة له بالصلاة ولا بالقرآن، وكأنك سلّمت مهمة الصلاة لغيرك ريثما تنهي مهمة التفكير.

يسمّونها وضعية الطيار الآلي، وفيها يوظّف الدماغ شبكة الوضعية التلقائية (Default Mode Network – DMN) من بين شبكاته المتعددة، وهي شبكة لا تستلزم طاقة عالية ولا تركيزًا واعيًا. كلما فكّرت في تلك الحالة وجدتها مذهلة، وأحيانًا مضحكة؛ من هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن بإتقان، وأنا هنا مستغرق في التفكير في أمر آخر؟ يا لنا من كائنات عجيبة حقًا.

في المقابل، هناك حالة أخرى ليست أقل إدهاشًا، وهي ما يحصل عندما يعجز المبدع عن إنتاج عمل إبداعي هو قادر، في العادة، على إنتاجه. كل المقومات موجودة، لكنه يقف أمامها عاجزًا تمامًا عن الحركة. ففي وضعية الطيار الآلي تجد العقل يترفّع عن أن يقتصر انشغاله على مهمة سهلة اعتادها، فيضيف إليها مهمة جديدة تليق به وتستحق جهده، ثم تجده في حالة أخرى عاجزًا تمامًا، واقفًا على باب قدرات وأفكار يملكها فعلًا، لكنه لا يستطيع إليها سبيلًا.

في الكتابة يسمّونها قفلة الكاتب أو عقدة الكاتب، وأسبابها متعددة. قديمًا قالوا إنها غياب الإلهام، والإلهام أمر خارج عن إرادة المبدع؛ يتلقّاه ولا يصدر عنه. حتى اللفظ الإنجليزي inspiration أصله inspirare، أي النفخ في شيء، بمعنى أنه يتمّ عندما يحصل الإنسان على شيء يشبه النفحة الإلهية.

أما العلم فلا يعترف بهذه التفسيرات، ونجد العلم الإدراكيّ يحيل السبب إلى شبكات الارتباط الدماغية مجددًا، فيقول إن الإبداع يظهر عندما تنتظم الأفكار بطريقة معينة وترتيب محدد، مثل مسننات لا يمكنها أن تؤدي عملها إلا عندما تتركّب فوق بعضها بعضًا في نظام فريد. وعليه فإن غياب الإبداع عن المبدع لا يعني فقدانه للمهارة أو القدرة على إنتاجه، بل هو في جوهره عجز عن التجلّي؛ لأن الأفكار والمشاعر والذكريات والتجارب المطلوبة موجودة، لكنها ما زالت تجد صعوبة في الانتظام بتلك الطريقة التي تضع كل شيء في مكانه المناسب ليتجلّى الإبداع. والسبب في هذه الصعوبة، بحسب العلم الإدراكيّ، هو شعور المبدع بالضغط، إما لأسباب خارجية أو نفسية داخلية، والحل هو تفعيل تلك الوضعية التلقائية (DMN) من خلال ممارسة مهمات روتينية مثل المشي، ليتسنى للارتباطات أن تنتظم وللإبداع أن يتجلّى.

يبدو هذا التفسير مقنعًا، لكنني لا أجده كافيًا، وحتى لو قبلناه فسيصبح السؤال عن ماهية الأفكار نفسها ضروريًا. إنها بالتأكيد أكبر من نتيجة تلقائية لنشاطات عصبية أو تفاعلات كيميائية وكهربائية، وهي حتمًا لا تتبع نمطًا ثابتًا، وإلا لكانت متوقعة دائمًا، ولما كانت هناك أفكار تُدهش صاحبها أحيانًا، وكأنها ظهرت من تلقاء نفسها من حيث لا يدري. ثم ما علاقة التحرر من الضغوط الخارجية والنفسية بظهور الإبداع؟ ولماذا تحفّز المناظر الطبيعية الخلابة الإبداع عند الكثيرين؟

هناك الكثير مما يجب مناقشته للتوصل إلى حقيقة تجلّي الإبداع وتمنّعه عن الظهور أحيانًا، وسيظل أمرًا مذهلًا أن تعجز عن الوصول إلى شيء أنت تعلم أنك تملكه، بسبب الخوف من الفشل مثلًا. وإلى أن نصل إلى جوهر هذه الظاهرة، سيظل أمرًا مفهومًا أن يعترف كاتب بعجزه عن الكتابة لأن مزاجه غير مناسب. ولو سألت كاتبًا اعتزل في كوخ بين الجبال عن كل هذا، لأوجز الإجابة في كلمتين: هي الروح.

عن الوحدة الوجودية

في كل مرة صادفت قولًا لمفكّر أو عالِم يوافق أفكاري، كنت أشعر بالفرح وبالراحة لرؤية أفكاري خارج رأسي كما كنت أقول، الراحة التي عبّر عنه آخرون بعبارة “طمأنينة الاجتماع الإنساني.”

كنت كثيرة الانشغال بعالم الأفكار والنظريات، أو ما يسميه البعض الأمور “العميقة”، ولم أكن أستطيع البقاء على “السطح” فترات طويلة دون أن يسحبني ذلك العمق. من بعض ما أنِست به مثلًا قول هايدغر بضرورة الانسحاب الداخلي المؤقت الذي يعيد للفرد وجوده الأصيل المتفرد، بدل الانغماس بين الجموع والذوبان في ضجيجهم.

أدمنت جرعات الطمأنينة تلك، وسعيت في طلبها طويلًا، ثم تعبت.

تعبت من كثرة ما عليّ فهمه. أرهقتني محاولات الفهم جميعها، الناجحة والفاشلة. تعبت أيضًا من الانقسام بين عالمين؛ جسدي هنا بين الناس وعقلي هناك في عالمه الخاص. كنتُ أتضايق في سرّي حين يقتحم أحدهم صمتي ويوجّه إليّ حديثًا يقطع حبل أفكاري، حتى وإن كنتُ جالسةً بينهم. لهذا قررت أن أعيش بين الجموع، داخليًا وخارجيًا، ونجحت في إشغال نفسي باليوميّ العادي، وتظاهرت بعدم الاهتمام بغيره لمدة طويلة، أو هكذا بدت لي، إلى أن سمعت في يوم قصيدة جميلة، فبكيت.

لا أذكر موضوع تلك القصيدة، ولا أظن أن شعوري كان سيختلف باختلافه. بكيت لأن إحساس قائلها وصلني، عرفت شعوره وفهمت مراده. شدّتني القصيدة إلى العمق مجددًا، بل إلى أعمق من ذلك الذي هربت منه. كان من المفترض أن أشعر بطمأنينة الاجتماع الإنساني كما يحصل عندما أجد فكرة تشبه أفكاري، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، فقد شعرت بما أسميته وحدة وجودية.

يعيب البعض على اللغة قصورها وعجزها عن الإحاطة الحقيقية بالمعاني، وأنا أؤمن بأن الأدب البديع ينطق دائمًا بأكثر مما تقوله الكلمات. لقد همست لي القصيدة بما عرفه البشر قبل أن يعرفوا أية لغة؛ ذلك الشعور الذي تبثّه في نفوسنا مُجالسةٌ صامتة للبحر ساعة الغروب؛ تلك الحقيقة التي ندركها جميعًا ونحاول وصفها بالكلام ولا ندرك من ذلك إلا أن نقول: إن أرواحنا تنتمي لعالم غير عالمنا المرئي هذا.

ربما تحدّث الشاعر في قصيدته عن شوقه أو ألمه أو عشقه، لم أعد أذكر، لكنني فهمت منها أنه في أعماق نفسه وحيد، وأنه مثلنا جميعًا سجين هذا الوجود. أعادني إدراكي المؤلم هذا إلى عالم الأفكار وجدّدت له ولائي وانتمائي، ثم بعد عدة سنوات وفي غمرة انشغالي به مجددًا، وقعت بين يدي رواية.

أكدت لي الرواية هشاشتنا وأن الرهان على عقلنة الوجود خاسر، وذكّرتني بتلك الوحدة الوجودية لكنها هذه المرة خففت من حدتها. أظنني بعد أن عرفت سجن الوجود، وعجز اللغة، ومحدودية العقل، قررت أن أصاحب السجناء، فحديثهم يفتح الجراح لكنه يمنح العزاء. عند ذلك قلّت وحدتي بمقدار رواية جميلة.

ما زلت لا أعرف أي العالمين أكثر تحررًا: عالم الأفكار الواسع اللامحدود، أم عالم القصائد والروايات والأدب البديع، مُلتقى الأرواح الحرّة المنفية إلى عالمنا المرئي. الأول هو عالم العقلاء، والذين مروا به عبورًا وانتهى بهم المطاف في العالم الثاني مجانين.

أحب العقلاء وأجلّهم، وأحب أن أكون منهم ومعهم، لكن قلبي والله متيّم بالمجانين.

تأملات في النقد- المثقف المشهور

تكفي متابعة قصيرة لما يصدر في النقد الأدبي من كتب ومقالات لتأكيد ما ذكره الدكتور عن أن الانتصار للوصف والابتعاد عن الحكم والتقييم هو الاتجاه المسيطر حاليًا، لدرجة تدفع القارئ للتساؤل عن هدف النقد وجدواه، وربما جدوى الكتابة أيضًا.

قد يكون تراجع حضور النقد الأدبي أحد مظاهر غياب التفكير النقدي عمومًا، وبالتعليق على نقطة الممارسات شبه النقدية على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن المراقب يلحظ غيابًا شبه تامّ للنقاش أو التفاعل الجادّ مع الأفكار المطروحة والمتداولة، ناهيك عن الانتقاد أو حتى النقد البنّاء.

كثيرًا ما ينتشر مقال أو بودكاست ويتداوله عدد كبير من مستخدمي وسائل التواصل من دون أي تعليق على محتواه، باستثناء عبارات المدح والإشادة مثل “إبداع” أو “كلام عظيم.” يشبه الأمر أن يقف أحدنا على المسرح ويحاول أن يطلع الجمهور على أمر مهم، بينما الجمهور مشغول بشكره ومستمر بالتصفيق.

أدى هذا إلى ظهور المثقف المشهور (celebrity) الذي يحتفي به جمهور وسائل التواصل باستمرار، ويشيد بكل ما يصدر عنه دون مراجعة ولا مساءلة. كل ما على المثقف أو المبدع فعله هو أن ينال ثقتهم ببضع مقالات أو نصوص تنال إعجابهم، وأن يحرص على أن تذيّل مشاركاته بأكبر عدد ممكن من عبارات الإعجاب، ليصبح هذا المثقف ماركة مسجلة، وكل ما يصدر عنه جيد بالضرورة، دون حاجة لتفكير أو تمحيص. وربما يسهم ضعف الدعم الرسمي للمثقفين والمبدعين في ظهور “المثقف المشهور”، فحين يغيب الدعم المؤسسي الذي يضمن وصول العمل إلى جمهوره، تصبح الشهرة الرقمية هي الوسيط الوحيد بين المنتِج والمتلقي.

غياب النقد ممارسةً وفكرًا لا يأتي بخير، والضحايا هم المنتَج الإبداعي والمتلقي والمبدع نفسه، وإن لم يدرك ذلك. لا أعرف ما هو الحل بالتحديد، لكن لنجرب الخروج من دائرة التصفيق إلى دائرة الاستماع والتفاعل الجاد.

*تعليقًا على منشور للدكتور محمد عبيدالله

https://www.facebook.com/share/1KcqKUiCHS/

تأملات في الأدب والنقد

ضمن نص يتناول الأدب من حيث التعريف، ويناقش الفرق بين الأدب الرفيع والأدب الشعبي، مررت بعبارة تقول في وصف الكتب الجيدة: “يشهد استمرار وجودها على جودتها.”

تعيدنا هذه الجملة إلى مسألة غياب النقد الحقيقي والتفكير النقدي، فاستمرار حضور الكتب في عصرنا الحالي ليس مرهونًا بجودتها بقدر ما يعتمد على الترويج والقدرة على تحويلها إلى “تريند”. لكن هذا يطرح سؤالًا: أليس من الممكن أن يكون إقبال الناس في عصر سابق على روايات معينة، استجابةً عمياء لترشيح ناقد قرأها وأجازها؟

ربما، فالناقد الأدبي حظي تاريخيًا بموثوقية منحته سلطة معرفية تجعل حكمه معيارًا لتحديد قيمة العمل ومكانة صاحبه، وقد لا يكون تحرر الأدب من هذه السلطة أمرًا سيئًا بالضرورة، فعلى الأدب أولًا أن يتحرر من سطوة الرأسمالية وقوائم “الأعلى مبيعًا” التي تثير الشكوك حول نزاهة بعض النقاد والجوائز.

وهنا يبرز السؤال: هل علينا حقًا أن نحرر الأدب من طقوس “التريند” وهيمنة القوائم والجوائز؟ أم أن الأدب الحقيقي كان وما زال حرًا، حاضرًا وسط هذه الضوضاء، متاحًا لمن يحسن الاستماع؟