فقدتُ اشتهاءَ القهوةِ منذُ بدءِ حَمْلي بهِ. لمْ أفقدْ ذلكَ الِاشتهاءَ الذي لازمني سنواتٍ طويلةً فحسبُ، بل لم أعدْ أطيقُ رائحتها. يستغربُ زوجي ذلكَ استغرابًا شديدًا لمعرفتِهِ كيفَ أطاردُ أكوابَ القهوةِ المضبوطةِ في أنحاءِ القاهرةِ.
أشعُرُ بالحرمانِ. لا أستطيعُ أنْ آكلَ “السُّوشي” اللَّذيذَ، وتبدو الفطائر الإيطالية (البيتزا) صلعاءَ وذاتَ طعمٍ ماسخٍ بدونِ شرائحِ اللحمِ (البيبروني) الرائعةِ، وأتساءلُ لمَ لمْ ألتهمْ كلَّ (رنجة) العالمِ قبلَ حَمْلي؟ عندَما حضرَ إلى عالمِنا، لم أستَعِدْ اشتهاءَ القهوةِ. أشعرُ ببعضِ الحزنِ لذلكَ.
على الرغمِ منْ أنَّني بدأتُ إجازتي من العملِ في ديسمبرَ (ثاني أحبِّ شهرٍ إليَّ في السَّنةِ) إلا أنَّني لم أستطعِ الخروجَ أوِ التَّمْشيَةَ في شوارعِ المعادي الحبيبةِ كما أفعلُ عادةً كلَّ عامٍ. حركتي أصبحتْ ثقيلةً جدًّا ومفاصلي تئنُّ تحتَ وطْأةِ الوزنِ الزَّائدِ. أبتسمُ كلَّما تذكرتُ كلمةَ نهلةَ أنَّني أبدو كمنْ تنكَّرَتْ في هيئةِ حاملٍ بوضعِ كرةٍ تحتَ ملابسِهَا. “الكرةُ تبدو مثاليَّةً حتى إنَّها لا تبدو حقيقيَّةً” نضحكُ معًا وأُرسِلُ لها صُوَرًا للكرةِ مِنْ آنٍ لآخَرَ.
يحضرُ نوحٌ. أشعرُ بلهفةٍ دائمةٍ عليهِ إذا لمْ يكنْ بِحِضْني. ذلكَ الكائنُ الصَّغيرُ الذي ملأَ غرفةَ العملياتِ بكاءً لكنَّهُ سكنَ فجأةً عندَما أراحوا رأسَهُ على وَجْنَتِي حتَّى إنَّني أجْهَشْتُ بالبكاءِ حينَها. لا تأخذوهُ بعيدًا عنِّي.. كدتُ أصرُخُ بهِمْ. وكأنَّهُ هوَ مصدرُ أماني لا العكسُ. في غرفةِ الإفاقةِ، كنتُ أسألُ عنهُ كلَّ خمسِ دقائقَ. لماذا ليسَ معي؟
عندَما أعودُ إلى المنزلِ محتضنةً إياهُ، أشعرُ بالرَّهبةِ. تُراوِدُني الشُّكوكُ في طريقةِ معاملةِ ذلكِ الكَنْغَرِ الصَّغيرِ الذي يستمتعُ كثيرًا بالسَّكَنِ بينَ ذِراعَيَّ وفي دفءِ ملابسي. وعلى الرغمِ منْ أنَّني شاهدتُ مئاتِ المقاطعِ المرئيَّةِ عنْ كلِّ شيءٍ يَخُصُّ حديثي الولادةِ، فأنا لا أنفَكُّ أُفَكِّرُ في أسوأِ المواقفِ: ماذا لو خلعْتُ ذراعَهُ أثناءَ تغييرِ ملابسِهِ؟ ماذا لو انْزلقَ مِنِّي أثناءَ الِاستحمامِ؟ ماذا لو لمْ أستطعْ إطعامَهُ؟ ماذا لو نمتُ وتركتُهُ جائعًا؟ … إلخ. أستعيذُ باللهِ منَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ فأهدأُ، لكنْ تعودُ تلكَ الأفكارُ السَّوْدَاوِيَّةُ لتطاردَنِي بعدَ قليلٍ.
متعِبٌ جدًّا الِاعْتناءُ بالكَنْغَرِ الصَّغِيرِ، لكنْ كلَّما ابْتسمَ وهوَ نائمٌ بينَ ذراعيَّ أوْ وهوَ يستكشفُ ملامحَ وجهي، همسْتُ بالقُرْبِ منْ أنفِهِ: أنتَ ألطفُ الأولادِ وأجملُهُمْ! أحبُّكَ!
يعودُ أيمنُ إلى المنزلِ اليومَ ويخبرُني بنبرةٍ عاديَّةٍ أنَّها كانتْ تُمْطِرُ معظمَ اليومِ. ترتسمُ ملامحُ الأسى على وجهي لأنَّني لمْ أَشْهَدِ الأمطارَ كما كنتُ أفعلُ دومًا. لكنَّني أفكرُ في الوقتِ الذي أقضيهِ معَ نوحٍ. أميلُ عليهِ قليلًا وأخبرُهُ: أنتَ أفضلُ مِنْ أفضلِ قهوةٍ في العالمِ وأشهَى منْ أشهَى طعامٍ. أنتَ أمطاري وشِتائِي ودِفْئِي يا قُرَّةَ العينِ ودُرَّةَ القَلْبِ. دُمْتَ داخلَ قلبي وفي حِضْني يا زينةَ العمرِ والدُّنْيَا.












… مين قال إيه