
| CARVIEW |
-
خاطرة

طوبى لتلك القلوب التي لا تحتاج لعيون حتى تشهد روعة الحب
و .. طوبى لتلك العيون التي صدقت القلب فلم تر حبا غيره
-
نشيد الحياة

لم تكن مجرد امرأة مرت في حياتي، بل كانت هي الحياة نفسها حين قررت أن تكون مفهومة بالنسبة لي
حين عرفتها، لم أكن أبحث عن خلاص، ولا عن حب ينقذني من نفسي. كنت أعيش كما يعيش الناس: أيام متشابهة، مشاعر مؤجلة، وطمأنينة زائفة اسمها الاعتياد. ثم جاءت، لا لتغير العالم، بل لتعيد ترتيب ما بداخلي، وكأنها عرفت مسبقًا موضع الخلل
لم تقل لي يومًا إنها وعد، لكنها كانت كذلك. فمعها، بدا المستقبل أقل غموضًا، والماضي أقل قسوة، والحاضر – لأول مرة – أصبح صالحًا للسكن. كانت تمشي بجانبي، فأشعر أن الحياة تمشي معي، لا أمامي ولا خلفي
كانت لها موسيقى خاصة. ليست تلك التي تُعزف، بل تلك التي تُعاش: نبرة صوتها حين تهمس أو تتكلم، صمتها حين تفهم أكثر مما يُقال، ضحكتها التي لا تطلب إذنًا لتقيم في القلب. ودون أن أدري، صارت تلك الموسيقى أنشودتي، وكل ما عداها كان ضجيجا .. ثم غابت
لم يحدث كما نرى في الأفلام، لا شيء درامي، فلا أبواب صُفقت، ولا كلمات غاضبة أو جارحة، ولا مشهد وداع يستحق البكاء. وهذا ما جعل الفقد أعمق. لقد غابت كما تغيب الحياة حين تنسى أن تشرح لنا سبب استمرارها
بعدها، اكتشفت أمرًا مرعبًا: أن كل شيء مازال يعمل .. إلا أن أعيش
النهارات كانت تأتي في موعدها، والليل كان يعرف طريقه، والناس كانوا يواصلون حكاياتهم، وأنا أؤدي دوري بإتقان. كنت حيًّا إلى حد الإقناع أنني حي، ميتًا إلى حد الصدق أنني دفنت. لم أكن حزينًا بالمعنى المتعارف عليه، كنت فارغًا. والفراغ، حين يطول، يصبح كالفلسفة، مؤلمة وقاتلة حين نحاول فهمها. وكلما تعمق الفراغ كلما زادت الفلسفة، وزاد الاغتراب
وتساءلت كثيرًا: هل الحياة حدث مستقل أعيشها كفعل مثل الأكل أو الحركة، أم علاقة بيني وبين الحياة؟ هل يمكن للإنسان أن يعيش دون معنى، أم أنه يكتفي بمحاكاة العيش؟ وأدركت، متأخرًا، أن الحياة ليست في عدد الأيام، بل في قدرتها على أن تعني لي شيئًا، أن أقول: إن هذه هي حياتي. لكن – من دونها – لم أعد حتى قادرًا على نطق هذه الجملة
كانت تعود إلي أحيانًا بصوتها، لا بملامحها. موسيقاها وحدها كانت قادرة على اختراقي. كلما سمعت لحنًا يشبهها، كنت أتذكر تلك النسخة مني التي كانت تعرف كيف تحب دون حذر، كيف تحلم دون شروط، وكيف تؤمن بأن البقاء ليس شجاعة بل رغبة بالإيمان بالحياة
وفي إحدى ليالي الوحدة الطويلة، تخيلت وكأنما صوتها يتكلم من داخلي، لا كذكرى، بل كضمير أنثوي هادئ: «كنت تظنني وعد الحياة، لكنك كنت الحياة حين آمنت بي. موسيقاي لم تكن سبب نجاتك، بل انعكاسك حين كنت صادقًا مع نفسك». أوجعني صوتها، لأنه كان محقًّا. ربما لم تكن هي الحياة، بل الدليل عليها. وربما غيابها لم يسلبني المعنى، بل كشف هشاشته حين نعلقه على شخص واحد .. وربما كانت تلك محاولة من عقلي الباطن أن يقنعني لأتقبل الوضع
ومع ذلك، لم أكن لأتنصل من حزني. فبعض الأحزان ليست خطأ، بل وفاء. فلم أتعلم كيف أعيش بعدها، بل تعلمت كيف أُصغي. كيف أترك موسيقاها تمر بي دون أن أطلب منها البقاء. وكيف أعترف، أخيرًا، أن الإنسان قد ينجو، لمجرد النجاة .. دون أن ينجح في عبور بحر الحياة
واليوم، بعد كل هذا الزمن، لا أبحث عنها، ولا عن بديل. أبحث عن تلك الأنشودة الأولى، لا لأعيدها، بل لأفهمها. أفهم كيف منحتني المعنى، وكيف أخذته معها، وكيف تركت لي السؤال الأكبر: هل الحياة شيء نملكه… أم شيء يحدث حين نحب
أما ما أدركه يقينًا الآن ، أن موسيقاها – وحدها – هي التي جعلت لأنشودتي معنى. وحتى وإن لم أعد أعيش الحياة كما ينبغي، يكفيني أنني عرفتها يومًا، وأنني حين فقدتها، فقدت معها القدرة على الاكتفاء بالبقاء. وهذا، في حد ذاته، شكل آخر من أشكال الصدق مع الذات حين تصر أن تغني نشيد الحياة، رغم أنها ليست كالحياة -
بدون إجابة
بسافر، بسافر
بهاجر، بهاجر
إيمتى حاتلقى المحطة وترسى يا حاير؟
مر السؤال ع اللي مالوش عالسكة آخر
من مصغرى لمكبرى مسافر
بأغوى مشاوير الهوى والدنيا
والقطر واخدك فين؟
القطر واخدنى بلا محطة
واه يا ابا، اه يا ابا، يابا عليا
لا دار ولا مرسى ولا صبية
وادينى ماشى فى رحلة الشقا والرزق والترحال
كأنى سؤال
-
احتضنت غيابك

لم يكن الفراق قرارًا، بل كان نتيجة منطقية لكل شيء أحاط بنا. فالعالم على وسعه، كما بدا لنا، لم يكن يتسع لخطوتين تسيران جنبًا إلى جنب. كانت الأبواب تُغلق بهدوء، لا عنف فيها، لكن بصمت مؤلم، وكأن الحياة تقول لنا: ليس الآن، وليس هنا، وربما ليس معًا أبدًا
أحببتها دون ضجيج. حب يشبه الإقامة السرية في القلب، بلا أوراق ثبوتية، بلا اعتراف رسمي. كانت امرأة لا تسمح الظروف لي بأن أحبها، ولا تسمح لي بأن أحتفظ بها. كل شيء حولنا كان يرفض الفكرة: التوقيت، الأماكن، الخوف، والآخرون الذين لا يرون إلا السطح ولا يشعرون بثقل الروح حين تتعلق
حين افترقنا، لم يحدث شيء درامي. لم تكن هناك دموع معلقة في الهواء، ولا وعود كبيرة بالعودة. فقط صمت طويل، يشبه الحال حين نقف على حافة حياة لم يقدر لنا أن نعشهاتركتني ورحلت، أو ربما رحلت أنا وبقيت هي؛ لا أذكر بدقة، لأن الفراق حين يكون قسريًا يربك الذاكرة .. لكنها لم تغادرني
لقد سكنتني بطريقة غريبة، لا تشبه الذكرى ولا الحنين المعتاد. لقد كانت وطنًا داخليًا، مساحة أعود إليها كلما ضاقت البلاد. كل النساء بعدها، وقبلها، وغيرها، كن محطات عابرة، مدنًا بلا هوية، رايات لأماكن لا أعرفها. أما هي، فكانت الاسم الذي لا يغادرني حين أعرف ذاتي على ذاتي، واللغة التي لا أنطق غيرها حين أريد التعبير عن نفسي، والوطن الذي أنتمي إليه ولا أستطيع تغيير جنسيته
وتعلمت أن أحتضن غيابها. أن أضعه بجانبي في الليالي الثقيلة، أن أُصغي له وهو يكبر معي، ويعلمني الصبر. فغيابها لم يكن فراغًا، بل حضورًا مؤلمًا، حميميًا، يُذكرني أن بعض الناس لا يُكتب لهم أن يكونوا معنا .. بل فينا
كنت أراها في التفاصيل الصغيرة: في الأغاني التي لا أستطيع سماعها كاملة، في الأماكن التي لا أزورها مرتين، وفي لحظات الفرح التي تأتي ناقصة، كأنها، كلها، تنتظر شيئًا لن يعود
لم أحاول أن أنساها، لأن النسيان خيانة حين يكون الحب صادقًا. ولم أحاول أن أستعيدها – رغم احتياجي – لأني فهمت مؤخرا أن الحياة لا تُراجع أحكامها. كل ما فعلته أني بقيت وفيًا لما كانت تعنيه، لا لما كان يمكن أن تكونه
واليوم، لا أقول إني تجاوزت. أقول فقط: أنني أحاول أن أتعايش. تعلمت أن أعيش ومعي وطن لا أسكنه، وامرأة لا ألقاها، وحب لا ينتهي لأنه لا يمكن أن يُستنزف بأمور الحياة اليومية.. لأنه أكبر من الحياة
واحتضنت غيابها وهواها، لأنهما الشكلان الوحيدان اللذان سمحت بهما الحياة لبقائها إلى جانبي .. الهوى والغياب -
Odyssey of Time
ملحمة الزمن
لم تكن واقفة وسط الساعات، بل كانت موضوعة بينها، كأن أحدهم (أب، أخ، مجتمع، ..) قد رتب حياتها لها ثم تناسى أن يسألها إن كانت تريدها هكذا
لم تكن الساعات المعلقة على الجدار متشابهة، ولا متفقة. كل واحدة منها تشير إلى زمن لا يشبه الآخر، لكنها كلها تشير إليها
ساعة توقفت عند حلم لم يُؤخذ على محمل الجد، وأخرى ركضت بها أسرع مما تحتمل، وثالثة ظلت تدور وتلف … فقط لتذكرها أن الانتظار أيضًا هو شكل من أشكال مرور العمر
وهي لم تكن تقيس الوقت، بل كانت تُقاس به. وأمام تلك المرآة المشروخة، لم تبحث عن جمالها بل كانت تبحث عن نفسها
لكن الزجاج أعاد انعكاس صورتها مجزأة: في شكل امرأة تعرف ما تريد، وأخرى تعلمت كيف تؤجل معرفة ما تريده، وثالثهما إمرأة لم يعد لديها ترف السؤال. ولم تكن الشقوق في المرايا كسورًا طارئة، بل آثار سنوات عاشتها وهي تقنع قلبها بأن الصبر حكمة، وأن الحب رفاهية
مدت يدها، تارة للساعات، وتارة للمرآة، ثم أنزلتها ببطء. كانت تعرف أن لمس المرآة لن يصلح شيئًا. فبعض الشروخ لا تُرمم، لأنها ليست في الزجاج، بل في تلك اللحظة القديمة التي اختارت فيها السلام على حساب نفسها، وقالت “لا بأس” بينما كان كل شيء بداخلها ينهار بهدوء أنثوي مهذب
أوجعها أنها لم تكن عاجزة. كانت فقط محاصرة، محاطة بتوقعات، بنظرات، بجمل قيلت لها باسم الأمان، وبنيت كقيود
تعلمت باكرًا كيف تكون قوية دون أن تكون حرة، وكيف تبتسم دون أن تُشفى. كل دقة ساعة كانت تذكيرًا بدون صوت: بأن هذا وقت آخر لم تعشه
ولم تبك. فالنساء اللواتي تعلمن الصبر طويلًا لا يبكين بسهولة. الألم عندهن لا يفيض، بل يستقر، يصير لغة داخلية، ونبرة صوت دفينة، وطريقة ثابتة ينظرن بها إلى الأشياء التي كن يحلمن بها يومًا
في لحظة صفاء قاسية، فهمت الحقيقة كاملة. فهمت أن الزمن لم يسرق أحلامها، هو فقط كشف أنها كانت ستحتاج شجاعة أكبر مما امتلكته آنذاك
لم تكسر المرآة. لم تُسقط الساعات. ولم تعلن عن ثورة متأخرة. بل اكتفت بأن تنظر إلى انعكاسها طويلًا، وتقول في سرها (له) دون لوم لنفسها : أنا لم أخنك … أنا فقط تعبت
ثم ابتعدت خطوة. الساعات بقيت في مكانها، والشقوق بقيت كما هي، لكنها خرجت وهي تعرف أن بعض الأحلام لا تتحقق، لا لأننا لا نستحقها، بل لأن الحياة أحيانًا تطلب منا ثمنًا … نختار ألا ندفعه، فنمضي كما نحن
وهذا وحده، كان نهاية قاسية بما يكفي، ورغبة في النجاة بما يكفي أيضًاأما هو، فظل محبوسا في المرآة .. وفي الساعات. يتحمل الانكسار بمفرده. ويتحمل ثمن نجاتها، وإن كان المقابل حياته
-
أنفسنا

كل حياة هي أيام، يوم وراء يوم، نسير فيها عبر أنفسنا، نلتقي فيها بالشرفاء وباللصوص، والأصدقاء والأعداء، والشيوخ والشباب والنساء، الأقرباء والغرباء، والأطفال .. فهل عشنا هذه الأيام؟
نلتقي بمن عرفناهم وبمن لم نعرفهم، بمن أحببناهم وهجرونا، وبمن لم نحبهم ورافقونا، بمن ماتوا ولم نفقدهم وبمن عاشوا وافتقدناهم، بمن مدوا إلينا أيديهم وبمن طعننونا أيضا بأيديهم .. لكننا، نادرا ما نلتقي بأنفسنا إلا مرة واحدة في العمر .. وربما يكون هو اليوم الوحيد الذي عرفنا فيه أنفسنا، وفيه عشنا الحياة
ومازلنا نسير
-
رسالة من بعيد

فى دنيتى هذه – حين تتسيد الوحدة – أدرك أن العمر رغم قصره ورغم أنه يقارب نهايته قد شهد لحظات تشبه رحلة سفر طويلة
وإن ذكراك لا يمكن أن تكون أبدا من الماضى، لأن الماضى هو ما انتهى وفات.. أما ما عاش واتصل فهو الحاضر فعلا، وهو الذى يدوم
لذا تعودت أن أتعيش على ذكراك حتى أطيل أمد تلك اللحظات التى ترحل بى في سكة سفر طويلة لا نهاية لها
كما أدركت.. معك.. إن رفيقة العمر ليست هى من تجاورني وإن كانت في حضني ليل نهار. بل هى من حولت ليلي إلى نهار.. ومعها ذقت طعم اللحظات
كل ما أتمناه أن أكون أنا – في رحلة حياتك – كما كنت أنت لي .. بحرا وقاربا ورحلة سفر
لا أن أكون بالنسبة لك مجرد قارب نجاة .. عبر بك ذاك البحر، وبعد أن وصلت لبر الأمان .. نسيتني
وأظل أنا على البر الآخر، أناجيك.. حاول تفتكرنى
-
ملائكة لا يدخلون الجنة 2
لم يولدوا بأجنحة، لكنهم تعلموا الطيران مبكرًا… حين قفزوا من طفولتهم مباشرة إلى الخوفكانوا صغارًا إلى الحد الذي لا تتسع فيه خانة اسمائهم لكل ما فقدوه. أسماء قصيرة، محفوظة في دفاتر مدرسية لم تُكمل سطرها الأول، وذكريات أطول من أعمارهم بكثير
في المدن التي مزقتها الحروب، لم يكن الصباح يعني الذهاب إلى المدرسة، بل التأكد من أن البيت ما زال في مكانه، وأن الأم لم تتحول إلى رقم، وأن الليل لم يترك خلفه فجوة جديدة في الجدار… أو في القلب
الأطفال هناك لا يسألون: لماذا الحرب؟ يسألون فقط: هل سنعود لبيوتنا؟ هل سيعود الأب الذي خرج ولم يرجع، هل ستعود الكهرباء، هل ستعود الدمية التي ضاعت تحت الركام، هل ستعود الأيام كما كانت قبل أن يتعلموا معنى كلمة نزوح
في المخيمات، كانت الخيام تشبه قلوبهم: مؤقتة، رقيقة، ومكشوفة للريح. والسماء قريبة جدًا، لكنها لا تمطر عدلًا، بل قنابل ورصاص
يلعبون فوق تراب لا يعرف أسماءهم، يركضون حفاة خلف كرة من خرق، ويضحكون… ضحكة قصيرة، كأنها استعارة من زمن آخر
أحدهم كان يرسم بيتًا في الهواء كل ليلة قبل النوم، بابًا لا يُكسر، ونافذة تطل على غد لا يحمل بندقية. وطفلة كانت تحفظ أسماء المدن التي مرت بها، لا لأنها تحب الجغرافيا، بل خوفًا من أن تنسى أين بدأت الحكاية
قالوا لهم: اصبروا، الجنة تنتظركم. لكنهم كانوا يريدون شيئًا أبسط: سريرًا لا يهتز، سماءً بلا طائرات، ولعبة لا تنفجر
هؤلاء ليسوا ضحايا فقط، هم شهود. شهدوا على قسوة أكبر من قلوبهم، وعلى عالم بالغ فشل في أن يكون لهم أبًا
هم ملائكة، نعم… لكنهم لا يدخلون الجنة، لأن الجنة – إن كانت عادلة – كان ينبغي أن تأتي إليهم أولًا
وفي الليل، حين ينام العالم مطمئنًا، يبقى هؤلاء الأطفال مستيقظين، يحرسون بقايا أحلامهم، كأنها آخر ما تبقى من إنسانية هذا الكوكب
إنهم ملائكة لا يدخلون الجنة، لأنهم وُلدوا في مكان لم تعد الرحمة تعرف الطريق إليه .. بعد أن منع البشر وصول رحمة السماء إليه
-
Subscribe
Subscribed
Already have a WordPress.com account? Log in now.