هناك ظاهرة غريبة في البحرين و المجتمع الخليجي بشكل عام. هي ليست بظاهرة جديدة لكنها تتجدد بطرق مختلفة.
الظاهرة هي التنافس على من هو “العربي” , او بالأحرى التنافس على لقب “العربي الأصيل” او “القح”, في مقابل العرب ال”جكويتو” او ال” الكلكجية”. فترى هناك من يتفاخر بأنه عربي اصيل, و يتطنز على الآخرين او ينظر اليهم بنظرة دونية لعدم تأصل عروبتهم .تاريخيا او عادة ما كانت هذه الظاهرة عند بعد ممن يعتبرون انفسهم “من القبائل” من شبه الجزيرة العربية. اما من كانت توجه لهم تهمة “العروبة الناقصة” فكان كل من لا ينتمي اليهم. فالهولة من زمان و هم يوصفون بأنهم “مب عرب اصليين”. اما “العجم”,فلا اظن احتاج للدخول في التفاصيل . ايضا البحارنة و شيعة شرق شبه الجزيرة العربية (كالحساء و القطيف) كان ينظر اليهم بنظرة تكبر لأنهم حضر و لأن البحرين التاريخية عاشرت الاختلاط و الغزو على مدى آلاف السنين. فهذه روزماري سعيد زحلان و مضاوي الرشيد, من اشهر و ابرز مؤرخي الخليج, يحدثونا كيف ان مؤرخي شيعة غرب الخليج العربي كانوا يتذمرون من سخرية القبائل و خاصة النجدية منهم لأنهم حضر, و في الحضر على عكس القبائل , على مقولة المؤرخين, تحديد النسل يكون متنوعا و مختلطا اكثر نتاجا لطبيعة المجتمع الزراعي و الحضري المتمركز حول القرى و المدن.
اظنه بعد هذه المقدمة الكثير سيفهمني غلط و سأحصل على السب من قبل جميع فئات المجتمع البحريني.لكن ارجو ان يفهمني البعض و الا يسيئ الظن و يتابع بعقل منفتح. لنواصل.
ما معنى “العربي القح” هذه؟ هل معناها بدو رحل؟ طبعا هذا هو المعنى التاريخي للكلمة حتى مجيئ حوالي القرن التاسع عشر (حين بدأت القومية العربية بالظهور و تغير معنى “عربي”). فهذا مثلا المعنى الذي استعمله ابن خلدون في المقدمة (و هو على فكرة, كان لديه نظرة دونية جدا للبدو الرحل) . ان كان هذا المعنى فلا يوجد عرب الآن او باتو على الانقراض في دول الخليج العربي, فالأغلبية الساحقة الآن تحضروا وما عادوا رحل.
هل “العرب” هم من اصولهم خالصة من شبه الجزيرة العربية لا تشوبها اي شوائب او تشابك في النسل؟ هنا اذا ايضا اغلب العرب ليسوا “عربا”. فأغلبية الدول العربية, كالعراق و سوريا و لبنان و مصر, كانت عندهم حضارات بنت آلاف السنين قبل بزوغ الاسلام من شبه الجزيرة العربية. فمن الصعب القول ان الفراعنة و السومريين و الدلمونيين و غيرهم كلهم ظهروا من قبائل شبه الجزيرة العربية.ثم هناك اختلاط الأنساب عبر كل هذه الفترة. لنأخذ البحرين كمثال. البحرين غزاها و حكمها اليونانيون و الفرس و البرتغاليون و غيرهم لآلاف السنين, و مما لا شك فيه ان التزاوج و التخالط حدث بين هذه الحضارات. و نفس الشيئ في سوريا الكبرى و العراق الخ.
و ابلغ شاهد على هذا هي ملامح العرب اليوم. فتجد الأسود و الاسمر و الابيض و الحنطاوي, و ذو العينين الزرقاء او الخضراء او السوداء, او ذوي الشعرات السوداء او الشقراء او الصهباء, و عادة ما تجد هذا كله في عائلة واحدة! اذا هل سنقول ان كل هؤلاء ليسوا “عربا اصليين”؟ اذا هلون فقد انقرضت امة العرب!
العربية هي قومية, و القومية ظاهرة نتجت مؤخرا في تاريخ الانسان*****, و “صفاء العرق” ليس هو ما يشكل القومية, رغم انها يمكن ان تستعمل كذريعة لتحديد هذه القومية, كما استعمل النازيون اسطورة القبائل الجرمانية لتحديد من هم من السلالة الآرية الخالصة. فالبشر صار لهم آلف السنين يختلطون و يتمازجون, و من الصعب جدا او حتى من المستحيل ان تجد عرق “خالص”.بل القومية هي نتاج عوامل جغرافية و سياسية و تاريخية و ثقافية على مر السنين. فلا نستطيع ان نتكلم عن عرق انجليزي او فرنسي او اسباني!!
و القومية العربية نتجت عن هذه العوامل, فهي تجمع افراد يعيشون في ارض جغرافية متقاربة يتكلمون لغة واحدة وتجمعهم حضارات وثقافات متصلة و لهم تطلعات متقاربة و يعتبرون نفسهم عربا و جزءا من الامة العربية. فهو من العجيب حقا ان تجمع ارض شاسعة مثل ارضنا و اناس متفرقة تحت هذه الراية الواحدة.
لكن “العربي” اليوم كائن على وشك الانقراض. فمن جهة واحدة لدينا اناس من الخارج يحاولون تفتيتنا و يجعلونا نحارب بعضنا البعض و يقولون يا جماعة انتم لا تشبهون بعض و لديكم تطلعات و اهداف مختلفة, فأحسن لكم ان تتفتتوا و ان تعطوا تعاونكم لنا بدلا من بين بعضكم البعض. لكن الادهى من ذلك هم الأناس الذين من الداخل يحاولون تفريقنا. فيقولون لك هذا ليس عربي حقيقي و هذا ليس منا و … و… و…!
اذا استمرينا على هذا الحال, سنستيقظ يوما ما و لن نجد عربيا سوى اعرابي حافي ضائع في الصحراء. سنجد انفسنا بحرينيين و مصريين و سوريين و عراقيين, و لكن لا احد ينظر الى الآخر على انه عربي. وهذا بدأ حقا في الظهور, فتجد بعض من في لبنان يعتبر نفسه فينيقي و ينهر العرب, و قلة بدأت تظهر في مصر موطن العروبة التاريخي تنفي عروبتها و تعتبر نفسها “فرعونية”. و غدا في البحرين ربما سيأتي البعض و يقول انا دلموني, و في العراق انا سومري, و لكني لست عربي!
**** ان اردت ان تقرأ المزيد عن ظاهرة و كيفية بروز القوميات, فالكتاب الذي يعتبر المقياس في هذا المجال هو:
Imagined Communities; Author: Benedict Anderson
طبعا هناك المئات غيره, لكن هذا الكتاب من اهمها و الصراحة من الواجب قراءته. هنا ملخص جيد له.